القرطبي
92
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثانية - قوله تعالى ( للذين يعملون السوء بجهالة ) السوء في هذه الآية ، و ( الانعام ) ( أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ( 1 ) ) يعم الكفر والمعاصي ، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته . قال قتادة : أجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة ، عمدا كانت أو جهلا ، وقال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد والسدي . وروي عن الضحاك ومجاهد أنهما قالا : الجهالة هنا العمد . وقال عكرمة : أمور الدنيا كلها جهالة ، يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله . وهذا القول جار مع قوله تعالى : ( إنما الحياة الدنيا ( 2 ) لعب ولهو ) . وقال الزجاج : يعني قوله ( بجهالة ) اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية . وقيل : ( بجهالة ) أي لا يعلمون كنه العقوبة ، ذكره ابن فورك . قال ابن عطية : وضعف قوله هذا ورد عليه . الثالثة - قوله تعالى : ( ثم يتوبون من قريب ) قال ابن عباس والسدي : معناه قبل المرض والموت . وروي عن الضحاك أنه قال : كل ما كان قبل الموت فهو قريب . وقال أبو مجلز والضحاك أيضا وعكرمة وابن زيد وغيرهم : قبل المعاينة للملائكة والسوق ( 3 ) ، وأن يغلب المرء على نفسه . ولقد أحسن محمود الوراق حيث قال : قدم لنفسك توبة مرجوة * قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق ( 4 ) النفوس فإنها * ذخر وغنم للمنيب المحسن قال علماؤنا رحمهم الله : وإنما صحت التوبة منه في هذا الوقت ، لان الرجاء باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل . وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ) . قال : هذا حديث حسن غريب . ومعنى ما لم يغرغر : ما لم تبلغ روحه حلقومه ، فيكون بمنزلة الشئ الذي يتغر غربه . قاله الهروي
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 436 ( 2 ) راجع ج 16 ص 257 وج 6 ص 414 وج 17 ص 254 ( 3 ) السوق : النزع ، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه . ( 4 ) يقال : غلق الرهن إذا لم يقدر على افتكاكه . يريد : بادر بالتوبة قبل ضياع الفرصة .